12 يناير 2000
الكشح
محنة وطن
فى الكشح ديسمبر الدامى 1999
سيادة القانون، حقوق المواطنة، الأمن
فرائض غائبة
تقرير مبدئى لبعثة جمعية المساعدة القانونية لحقوق الإنسان إلى قرية الكشح
تقديـم.................
مرة أخرى عادت قرية الكشح في صعيد مصر لتحتل بؤرة الاهتمام الشعبى والإعلامى عادت قرية الكشح لتحطم ذلك القيد الذى فرضته أجهزة الإعلام الرسمية في الماضى، والتى لم تفعل سوى ترسم خطى تصريحات رجال الدولة الرسميين، عادت الكشح في ديسمبر الدامى لتعبر عن محنة الوطن .
ورغم ما تثيره المسألة القبطية من حساسيات وهواجس فقد كانت أحداث الكشح أغسطس 1998 (كسابقتها في كفر دميان … وغيرها ) مناسبة ملائمة للسلطات المصرية لتجديد التزامها باحترام حقوق الإنسان، وبأن تمتع الكافة بحقوق المواطنة أمراً يحتل موقعه في أعلى سلم أولوياتها، لكن سرعان ما بددت السلطات الرسمية هذه الفرصة السانحة، واستمرت في الترويج لادعاءات بالية وعقيمة مفادها أن التضحية بالديمقراطية وحقوق الإنسان ضرورة لخوض المعارك الوطنية ومجابهة التحديات الداخلية والخارجية، وتغافلت تلك السلطات عن أن التغلب على توظيف الإنتهاكات ومؤامرات المتآمرين ومروجى الفتن في إطار الضغوط السياسية الخارجية أمراً يقتضى بالأساس وضع حد لهذه الانتهاكات والالتزام بالمعايير التى ارتضتها الحكومة المصرية لضمان حقوق الإنسان.
إن الدولة التى عملت على تغذية التيارات الدينية المتطرفة طوال السنوات الثلاثين الماضية وهو ما حمل العقل المصرى بظاهرة العصبية الدينية وهو ما ولد بدوره العصبية الطائفية هى ذاتها الدولة التى اكتوت بنار العنف الدينى حتى طال رموزها ،وبدءاً من أحداث العنف الطائفى في الخانكة 1972، ووصولاً لأحداث الكشح 1999 مازالت الأحداث الطائفية تفعل وتتفاعل، ومنذ مقتل الرئيس السادات في 1981 شابت حالة من الهدوء الحذر السنوات الأولى من حكم الرئيس مبارك حيث انتظرت مختلف القوى تقديم الحلول لجذور المشكلة بما تتضمنه من أبعاد اقتصادية وثقافية واجتماعية، وكان نتاج عدم البدء في تنفيذ الحلول المرجوة عودة العنف في تطور مطرد، وتجاوز الأمر مشكلة العنف الطائفى الموجه للأقباط، وتعددت صور العنف وأشكاله من قبل المتزمتين حتى طالت رموزاً للدولة وكتاباً ومفكرين مدنين وصاحب ذلك هشاشة في الرسالة الإعلامية التى حملتها وسائل الإعلام المختلفة، واتخاذ معظم قوى المجتمع المدنى المتواجدة على الساحة موقفاً سلبياً تجاه هذا، وعدم قيامها بدورها في إعادة صياغة الوعى العام ( رغم التسليم بضعف وندرة الوسائل المتاحة أمام هذه القوى لتحقيق هذا الهدف )، وهى تلك الدولة التى تقاعست عن إصلاح آليات النظام الانتخابي المعيب باعتباره الوسيلة الوحيدة لتحقيق المشاركة الشعبية للمواطنين في إدارة الشئون العامة، واستخفت بالضمانات الدستورية والمطالبات المتكررة بإنهاء حالة الطوارئ السارية منذ 1981 دون انقطاع حتى أنها أصبحت تمثل دستوراً فعلياً وموازياً للدستور الرسمى للبلاد ،وهى ذاتها التى جعلت الأحزاب القائمة عاجزة عن القيام بوظائفها السياسية إضافة إلى تقويضها لكافة مؤسسات المجتمع المدنى من نقابات وجمعيات ومنظمات غير حكومية بفعل بنية تشريعية معادية لحريات الرأى والتعبير والتنظيم والتجمع السلمى وللحق في تداول السلطة، وهى تلك الدولة التى جعلت التعذيب جريمة بلا عقاب فاستشرت ظاهرة العنف حتى باتت ظاهرة اجتماعية .
ووسط العديد من الحكايات التى أجمع عليها شهود عيان أحداث الكشح فى ديسمبر 1999 لا يمكن فهم تجمع وتظاهر بعض مواطنى قرى مدينة دار السلام المحيطة بقرية الكشح وترديدهم (حى على الجهاد حى على الجهاد).
بعيداً عن إدراك حقيقة هذا القدر من التشوه الذى أصاب العقل الجمعى للوطن وهو الأمر الذى يعتبر إفرازاً طبيعياً للسياسات التى انتهجتها. ومازالت ـ السلطات المصرية، تلك السياسات التى لم تعنى بالبحث وراء الأسباب الحقيقية وجذور المشكلات الاجتماعية على اختلافها ومنها مأساة الكشح .
وقد جزمت الوقائع وروايات شهود العيان التى توفرت لبعثة جمعية المساعدة القانونية لحقوق الإنسان عن الارتباط الوثيق بين أحداث ديسمبر الدامى بقرية الكشح، وتلك الأحداث التى شهدتها تلك القرية قبل خمسة عشر شهراً، وقد تمثل هذا الارتباط على صعيدين الأول منهما تقاعس السادة المسئولين بوزارة الداخلية والنيابة العامة إبان أحداث أغسطس 1998 عن القيام بواجباتهم، واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة في الوقت المناسب، وما صاحب ذلك من هزة عصبية عنيفة انتابت الأجهزة الرسمية للدولة لمقال أو أكثر في صحيفة أجنبية
(والتحرش بمؤسسات حقوق الإنسان المصرية، والقبض على أمين عام المنظمة المصرية لإصدارها تقريراً حوى حقائق تعرض العديد من أبناء قرية الكشح للتعذيب على أيدى رجال الشرطة) بينما لم يختلج لهذه الأجهزة وتر إزاء جرائم اعتقال العديد من المواطنين واتباع أبشع أساليب التعذيب معهم لمجرد الاشتباه في ارتكاب جريمة مقتل الشابين المسيحيين بقرية الكشح، وبدلاً من أن تشرع الأجهزة الرسمية المسئولة في القيام بالقصاص القانونى الذى يحتمه الدستور والتشريع العقابى ومواثيق حقوق الإنسان، ومحاسبة المسئولين الذين تباطئوا في القيام بواجباتهم وجهت تلك الأجهزة جل طاقتها لتنظيم حملات إعلامية داخل مصر وخارجها لمواجهة خطر ( كان مفتعلاً وقت ذاك ) على الوطن، وكأن مصر هى كيان فارغ مجرد يمكن له أن يكتسب دلالته بدون مواطنين، وبات واضحاً أن هناك هدفاً أوحد وأسمى لتلك الجهات المسئولة هو التستر على جرائم بعض ضباط الشرطة أياً كانت فداحة الثمن!!
وتمثل الصعيد الثانى في عدم محاولة أحد تقصى حقيقة الشكوك التى قالت حينها بأن وراء مقتل الشابين المسيحيين خصومة ثأرية مع أحد العائلات المسلمة الديانة، وأن التجاوزات الشرطية في حق مواطنى قرية الكشح كانت تستهدف استبعاد هذا الاحتمال عن الأنظار بإلصاق تهمة القتل بأي من المواطنين المسيحيين خوفاً من توظيف تلك الأحداث سياسياً في بعض الدوائر الغربية .
إن الأسلوب الأمنى كحل أوحد تنتهجه السلطات الحكومية لمواجهة بؤر الاحتقان الاجتماعى لم يفلح كعهده في أداء هذا الدور خلال أحداث الكشح الأخيرة، فعلى الرغم من أن فتيل الأزمة بدأ في الاشتعال مساء الجمعة 31 ديسمبر 1999، وتواجدت قوات الشرطة بقرية الكشح إلا أن المناوشات الدامية التى أسفرت عن سقوط عشرين قتيلاً وما يقرب من خمسة وثلاثين مصاباً بطلقات نارية حدثت بعد مرور ما يقرب من ثمانية وأربعين ساعة على تواجد قوات الشرطة في مداخل وشوارع الكشح.
إن الأجهزة الأمنية تتحمل دون مواربة مسئولية تفاقم الأحداث وسقوط هذا العدد من القتلى والمصابين من أبناء هذا الوطن، ولو أن المسئولين على رأس تلك الأجهزة الأمنية تذكروا التصاعد الدراماتيكى لأحداث كفر دميان 1996 لكان من الممكن تفادى ما وصلت إليه الأمور في الكشح.
إن مقدمة الأحداث المأسوية تمثلت في مواجهات مساء يوم الجمعة التى كانت من الممكن أن تنتهى لو كانت الإجراءات اللازمة في مثل هذه الأحداث قد اتخذت لهذا إن السيد وزير الداخلية مطالب أمام الرأى العام الذى أصابته مشاعر الإحباط والمرارة بأن يفسر كيفية وجود هذا الكم من الأسلحة النارية بصحبة المواطنين، ولماذا لم يتم تمشيط قرية الكشح والقرى المجاورة ها ومصادرة تلك الأسلحة الغير مرخص بها منذ مساء الجمعة 31 ديسمبر 1999؟! كما أنه مطالب بأن يفسر كيفية حدوث اشتباكات دامية في ظل التواجد الأمنى.
كذلك فأن السادة المسئولين ـ حكوميين وتنفيذيين ـ بمحافظة سوهاج ومركز دار السلام مطالبين بالإعلان عن كافة الإجراءات الوقائية والإصلاحية التى تم اتخاذها عقب أحداث الكشح أغسطس 1998.
تقديـم||
الرحـلة في لقطـات ||
إفادات شهود العيان ||
ضحايا الأحداث ||
خاتمـــــــــة
|